أبي الفرج الأصفهاني
186
الأغاني
فكلَّما همت [ 1 ] بإتيانها قالت : توقّي عدوة الذّيب الشعر والغناء لإبراهيم ، هزج ثقيل بالسبّابة في مجرى البنصر . أخذت عنه جاريته دمن صوتا على غرة منه لبخله بالغناء : حدّثني عليّ بن هارون قال حدّثني محمد بن موسى اليزيديّ قال حدّثتني دمن جارية إسحاق الموصليّ ، وكانت من كبار جواريه وأحظى من عنده ، ولقيتها فقلت لها : أيّ شيء أخذت عن مولاك من الغناء ؟ فقالت : لا واللَّه ما أخذت أنا عنه ولا واحدة من جواريه صوتا قطَّ ! كان أبخل بذلك ، وما أخذت منه قطَّ إلَّا صوتا واحدا ، وذلك أنه انصرف من دار الخليفة وهو مثخن سكرا [ 2 ] ، فدخل / إلى بيت كان ينام فيه ، فرأى عودا معلَّقا فأخذه بيده ، وقال لخادمه : يا غلام ، صح لي بد من ؛ فجاءني الغلام فخرجت ، فلما بلغت الباب إذا هو مستلق على فراشه والعود في يده وهو يصنع هذا الصوت ويردّده ، وقد اسحنفر [ 3 ] في نغمه وتنوق [ 4 ] فيها حتى / استقام له ، وهو : صوت ألا ليلك لا يذهب ونيط الطَّرف بالكوكب وهذا الصّبح لا يأتي ولا يدنو ولا يقرب فلمّا سمعته علمت أنّي [ إن ] [ 5 ] دخلت إليك أمسك ، فوقفت أستمعه حتى فرغ منه وأخذته عنه ؛ فلما فرغ منه وضع العود من يده ، وذكر أنه قد طلبني فقال : يا غلام ، أين دمن ؟ فقلت : هأنذي ؛ فقال : مذكم أنت واقفة ؟ فقلت : منذ ابتدأت بالصوت وقد أخذته ؛ فنظر إليّ نظر مغضب أسف ، ثم قال : غنّيه ، فغنّيته حتى استوفيته ؛ فقال لي وقد فتر وخجل : قد بقيت عليك فيه بقيّة أنا أصلحها لك ؛ فقلت : لست أحتاج إلى إصلاحك إياه ، وقد واللَّه أخذته على رغمك ؛ فضحك . لحن هذا الصوت من الهزج بالبنصر ، والشعر والغناء لإسحاق . غنى إبراهيم بن المهديّ عند المعتصم صوتا لابن جامع فأظهر هو خطأ فيه ثم هزأ بإبراهيم : أخبرنا يحيى بن عليّ قال قال لي إسحاق : كنت عند المعتصم وعنده إبراهيم بن المهديّ ، فغنّى إبراهيم صوتا لابن جامع أخلّ ببعضه ، ثم قال : يا أمير المؤمنين ، ترك ابن جامع الناس يحجلون خلفه ولا يلحقونه . وفي هذا الصوت خاصّة ؛ فقلت : واللَّه يا أمير المؤمنين ، ما صدق ، / وما هذا الصوت بتامّ الأجزاء ؛ فقال : كذب واللَّه يا أمير المؤمنين ؛ فقلت : يا سيّدي ، أنا أوقفه على نقصانه ، فمره فليعد يا أمير المؤمنين ؛ فأعاد البيت الأوّل فأقامه وطمع في الإصابة ؛ فقلت : آفته في
--> [ 1 ] همت : أصله « هممت » حذفت إحدى الميمين تخفيفا . وشرط جواز هذا الحذف في الماضي أن تكون عينه مكسورة نحو ظل تقول فيه : « ظللت » على الإتمام و « ظلت » ( بفتح أوّله أو بكسره بنقل حركة عين الفعل إلى الفاء ) على الحذف . ولكن ابن الأنباري حكى « همت » في هممت مع أنه مفتوح العين . وهم بالشيء : نواه وأراده . [ 2 ] كذا في أكثر الأصول . وفي ب ، س : « وهو مثخن سكران » . [ 3 ] كذا صححه الأستاذ الشنقيطي في نسخته . واسحنفر في الشيء : مضى فيه ولم يتمكث . وفي الأصول : « استخفر » . [ 4 ] تنوّق في الشيء : جوّده وتأنق فيه . [ 5 ] التكملة عن أ ، ح ، م .